***
سأبدأُ..
لكنّني قد بدأتُ قديماً من الحُزْنِ،
أو من غموضِ النزيفِ على تُربةِ النازحين..
وقلتُ سأمشي إلى قلعةٍ في الشروقِ،
فَيا طفلةَ الصّخرِ كوني لنا في الحروفِ،
كما نشتهي، عودةً للبلادِ..
لأني سأبدأ ثانيةً،
فالدّخانُ دمٌ ماطرٌ في الغروبِ المؤدّي إليكِ،
فكيف سأحملُ أرضي التي حرّقوها
بِحُمّى مجنزرةِ القاتلين؟
***
هناك على كتفِ الليلِ
قام المؤذّنُ كي يوقِظَ النائمين،
لكي يدخلوا في الصلاةِ، إلى سَجْدة النارِ..
كانت ثيابُ النبيِّ الذي قطّعوه
هنالك، بين الركامِ العميمِ، تسوحُ، بكلِّ النجوعِ،
فتنبتُ أضرحةً كالعقيقِ،
وزفّةَ نارٍ لوردِ الحريقِ،
وطوفانَ مذبحةٍ في الطريقِ..
فينفتحُ البرُّ أقنيةً للدماءِ،
فتجري،
ويُصبحُ هذا المدى دامياً كالجَنين.
ويرضعُ من ثديِ مقتولةٍ!
فارقصي يا مناديلَ جدّتهِ، في الجُنونِ،
اصْرخي في الجحيمِ..
عسى أن تردَّ القلاعُ على الداخلين.
وغزّةُ، يا وجعي! وَحْدَها في السواحلِ!
لا جَرَساً حولَ زنّارها،
قد تكون النهايةَ..
فالماءُ ميناؤها للغيابِ،
وجنيّةُ الموجِ عادت إلى أخْذِهِهم للبعيدِ..
ولكنّها سوف تمشي على درَجِ النّخلِ،
بأبنائها المُرْسَلين..
وَتَسْطعُ أثوابُها الناقعاتُ،
فطوبى لأقواسِها العالياتِ،
لأبوابها المُشْرَعاتِ،
لأقْبيةِ الوالداتِ،
لِقُبَّرَةٍ في الجهاتِ،
لكلّ مجرَّاتها المائساتِ،
على حَبَقِ النائحاتِ،
لأسوارها في الحياةِ،
وأسوارِها في المماتِ،
وأدمعها في الطحين.
سلاماً لمليون غزّةَ في أرضِ مصرَ،
ومليونِ موقدة للبلادِ،
من الموجِ حتى القباب المضيئة
في قلعةِ الخالدين.
***
ومصرُ الأُمومةُ سُلّمُنا للنجومِ،
وصورتُنا في الأغاني،
وآلهةُ الآسِ، سجّادةُ الضوءِ،
والشِعرُ في حَمْأةِ النازفين..
ومصرُ الأساطيرُ حَرْفُ البدايةِ، والقدسُ أوّلُها في السنين..
جَمْرُ الدّوالي، وماءُ التماثيلِ، والبرْقُ في ثوبها المدرسيِّ،
وتعزيةٌ للسماءِ، وأغنيةُ اللهِ للمُنْشِدين.
***
في البيتِ سيدّةٌ ترقبُ البابَ
حتى يدقَّ عوارضَه سيّدٌ
قيلَ قد نَخَّلَتْهُ الرصاصاتُ،
في دربِ عوْدَتِهِ،
فارتمى، غارقاً، بين أصحابهِ الغارقين.
وفي كلّ سطحٍ تَرى قاتلاً
يُطلقُ الخوفَ في كل فجٍّ،
فيسّاقط الوردُ في حضنِ أصحابه الطيبّين.
ويمضون في زفّةِ النهرِ
حتى تفيضَ الدروبُ، وتبدأُ أعراسُ مملكةِ العاشقين.
***
وخارجَ غزّةَ، في قلب كوكبِهم، قد ترى الوحشَ
يحتال ثانيةً..
كي يُمَرِّرَ سفّودَه في الغزالِ،
وليس له غيرُ أنْ يقتلَ الأرضَ قاطبةً
إنْ أراد لأنيابهِ اللّحمَ،
هذا الذي عَلّم الموتَ أنْ يشربَ الروحَ صافيةً
من ينابيع أطفالِها، ثم يمضي
ليحتلّ أشجارَها من تضاعيفِ أصحابها المُتعبين.
***
وفي خانيونسَ قاطرةٌ تحمل الشهداءَ
إلى حقلِ جنّتهم،
ثم تأتي القواطيرُ كي تمضغَ الجثثَ الرّانخاتِ!
هو الوحشُ في مَعْدنِ الحرفِ..
لا لن يرى غيرَ صورته في البقاءِ،
على وَحْلِ مذبحةٍ إثْر أخرى..
إلى أن يتّمَّ له الوَهْمُ في لَعْنَةِ الميّتين.
***
مصرُ! يا مصرُ! أرضَ الشقيقِ، وأندلسَ العُشبِ،
يا ذَّهَبَ الضوءِ، واللبنَ الحلوَ، والقهوةَ المُشْتهاةَ،
وما أذهلَ السِّحْرَ والعابرين!
غزّةُ طفلتُنا في الحكايا،
وما تأكل الغولُ من لحمها كالعجين.
ورائحةُ الزنجبيلِ، إذا شفّ نايُ الغريبِ، وفحّ الحليبُ
على فروةِ الحالمين.
مصرُ التي في فؤاديَ صوتُ المنادي على الناسِ:
يا أيها السامعونَ إذا مرّ بدرُ التمام بِكم
فاعلموا أنه النوُر قد عادَ،
والليلُ ماضٍ إلى عتمةِ الغابرين.
***
ومصر البهيّةُ؛ غزةُ..هذا النّداءُ الرخيمُ
أو النّايُ والرّسمُ، والرّعدُ في الشالِ،
والبابُ والحيُّ، والظلُّ في الدمعِ،
والصوتُ والبيتُ والشرفاتُ..
والصُبْحُ خلفَ شبابيكه والزمان،
والرّمشُ أو غمزةُ الأقحوان،
والريحُ إنْ مَرَضَت بالحنين..
ومَصْطبةُ البدرِ والصلواتُ،
والطيرُ والدربُ،
والطّيبُ في جَرّة الطين..
والصّحْبُ إنْ رجعوا نائمين على كرزٍ ذائبٍ،
والمرايا التي شهدت
كيف تندلعُ النارُ في سُرّةِ الياسمين..
تكتبُ اليومَ أجملَ ما سوف نقرأ:
من نِيلِ مصرَ سيبدأُ ميقاتُنا للرجوعِ،
ومنها إلى بَلَدِ العائدين.
------------------------
قصيدة: المتوكل طه







